الشيخ الصدوق
المقدمة 134
الإعتقادات ( تحقيق مؤسسة الهادي ع )
الأشياء ، وقد دلَّ على ذلك أيضاً قوله : « مَثَلُ نُورِهِ » وإنّما أراد به صفة نوره ، وهذا النور هو غيره ، لأنّه شبَّههُ بالمصباح وضوئه الذي ذكره ووصفه في هذه الآية . ولا يجوز أن يُشبّه نفسه بالمصباح ، لأنَّ اللَّه لا شبه له ولا نظير ، فصحَّ أنّ نُوره الذي شبَّهه بالمصباح إنّما هو دلالته أهل السماوات والأرض على مصالح دينهم ، وعلى توحيد ربِّهم وحكمته وعدله . ثُمّ بيَّن وضوح دلالته هذه وسمّاها نوراً ، من حيث يهتدي بها عباده إلى دينهم وصلاحهم ، فقال مثله كمثل كوة وهي المشكاة فيها المصباح ، والمصباح هو السراج ، في زُجاجة صافية شبيهة بالكوكب الدرِّي في صفائه ، والكوكب الدرّي هو الكوكب المشبه بالدُّرّ في لونه ، وهذا المصباح الذي في هذه الزجاجة الصافية يتوقَّد من زيت زيتونةٍ مُباركةِ ، وأراد به زيتون الشام لأنه يقال : إنَّه بُورك فيه لأهله . وعنى عزَّ وجلَّ بقوله : « لا شَرْقِيَّةٍ وَلَاغَرْبِيَّةٍ » أنَّ هذه الزيتونة ليست بشرقيَّةٍ فلا تسقط الشمس عليها في وقت الغروب ، ولا غربيّةٍ فلا تسقط الشمس عليها في وقت الطلوع ، بل هي في أعلى شجرها ، والشمس تسقط عليها في طول نهارها فهو أجود لها وأضوء لزيتها . ثمَّ أكَّد وصفه لصفاء زيتها فقال : « يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ » لما فيها من الصفاء ، فبيَّن أنَّ دلالات اللَّه التي بها دلَّ عباده في السماوات والأرض على مصالحهم وعلى أمور دينهم ، هي في الوضوح والبيان بمنزلة هذا المصباح الذي في هذه الزجاجة الصافية ، ويتوقّد بها الزيت الصافي الذي وصفه ، فيجتمع فيه ضوء النار مع ضوء الزجاجة وضوء الزيت وهو معنى قوله : ( نور على نور ) وعنى بقوله عزَّ وجلَّ : « يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِىمَن يَشَآءُ » يعني من عباده ، وهم المكلَّفون ليعرفوا بذلك ويهتدوا به ويستدلّوا به على توحيد ربّهم وسائر أمور دينهم ، وقد دلَّ اللَّه عزَّ وجلَّ بهذه الآية وبما ذكره من وضوح دلالاته وآياته التي دلَّ بها